فخر الدين الرازي

91

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الآية بقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً وهو كناية عن الترخيص ، والتيسير ، لأن من كان من عادته أنه يعفو عن المذنبين ، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 44 إلى 45 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( 44 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ( 45 ) [ في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ] اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف والأحكام الشرعية ، قطع هاهنا ببيان الأحكام الشرعية ، وذكر أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين ، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر ، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع آخر ، فإنه ينشط الخاطر ويقوي القريحة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : أَ لَمْ تَرَ معناه : ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [ البقرة : 258 ] وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية ، فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم . المسألة الثانية : الذين أوتوا نصيبا من الكتاب : هم اليهود ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله بعد هذه الآية : مِنَ الَّذِينَ هادُوا [ النساء : 46 ] متعلق بهذه الآية . الثاني : روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود ، كانا يأتيان رأس المنافقان عبد اللَّه بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام . الثالث : ان عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن ، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى . المسألة الثالثة : لم يقل تعالى : انهم أوتوا علم الكتاب ، بل قال : أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام ، ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، فأما الذين أسلموا كعبد اللَّه بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم اللَّه بأن معهم علم الكتاب ، فقال : قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [ الرعد : 43 ] واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : الضلال والإضلال ، أما الضلال فهو قوله : يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : يؤثرون تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة ، وإنما ذكر ذلك بلفظ الاشتراء لأن من اشترى شيئا آثره . الثاني : ان في الآية إضمارا ، وتأويله : يشترون الضلالة بالهدى كقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى * [ البقرة : 16 ] أي يستبدلون الضلالة بالهدى ، ولا إضمار على قول الزجاج . الثالث : المراد بهذه الآية عوام اليهود ، فإنهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها ، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة ، ولا إضمار على هذا التأويل أيضا ، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم ، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالإضلال فقال : وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم ، لكي يخرجوا عن الإسلام . واعلم انك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال .